يزيد بن محمد الأزدي
426
تاريخ الموصل
--> وفي هذه السنة استعمل المنصور على إفريقية أبا جعفر عمر بن حفص من ولد قبيصة بن أبي صفرة - أخي المهلب - وإنما نسب إلى بيت المهلب لشهرته ، وكان سبب مسيره إليها أن المنصور لما بلغه قتل الأغلب بن سالم خاف على إفريقية فوجه إليها عمر واليا ، فقدم القيروان في صفر سنة إحدى وخمسين ومائة في خمسمائة فارس فاجتمع وجوه البلد فوصلهم وأحسن إليهم ، وأقام والأمور مستقيمة ثلاث سنين فسار إلى الزاب لبناء مدينة طبنة بأمر المنصور ، واستخلف على القيروان حبيب بن حبيب المهلبي ، فخلت إفريقية من الجند فثار بها البربر فخرج إليهم حبيب فقتل ، واجتمع البربر بطرابلس وولوا عليهم أبا حاتم الإبضاى ، واسمه يعقوب بن حبيب مولى كندة ، وكان عامل عمر بن حفص على طرابلس الجنيد بن بشار الأسادى وكتب إلى عمر يستمده ، فأمده بعسكر فالتقوا وقاتلوا أبا حاتم الإباضى فهزمهم فساروا إلى قابس وحصرهم أبو حاتم وعمر مقيم بالزاب على عمارة طبنة وانتقضت إفريقية من كل ناحية . ومضوا إلى طبنة فأحاطوا بها في اثنى عشر عسكرا ، منهم أبو قرة الصفرى في أربعين ألفا ، وعبد الرحمن بن رستم في خمسة عشر ألفا ، وأبو حاتم في عسكر كثير ، وعاصم السدراتى الإباضى في ستة آلاف ، والمسعود الزناتى الإباضى في عشرة آلاف فارس ، وغير من ذكرنا فلما رأى عمر بن حفص إحاطتهم به عزم على الخروج إلى قتالهم فمنعه أصحابه ، وقالوا : إن أصبت تلف العرب ، فعدل إلى إعمال الحيلة ، فأرسل إلى أبى قرة مقدم الصفرية يبذل له ستين ألف درهم ليرجع عنه ، فقال : بعد أن سلم على بالخلافة أربعين سنة أبيع حربكم بعرض قليل من الدنيا ، ولم يجبهم إلى ذلك ، فأرسل إلى أخي أبى قرة فدفع إليه أربعة آلاف درهم وثيابا على أن يعمل في صرف أخيه بالصفرية فأجابهم وارتحل من ليلته ، وتبعه العسكر منصرفين إلى بلادهم ، فاضطر أبو قرة إلى اتباعهم ، فلما سارت الصفرية سير عمر جيشا إلى ابن رستم وهو في تهوذا - قبيلة من البربر - فقاتلوه ، فانهزم ابن رستم إلى تاهرت فضعف أمر الإباضية عن مقاومة عمر فساروا عن طبنة إلى القيروان ، فحاصرها أبو حاتم وعمر بطبنة ليصلح أمورها ويحفظها ممن يجاوره من الخوارج ، فلما علم ضيق الحال بالقيروان سار إليها ، ولما سار عمر ابن حفص إلى القيروان استخلف على طبنة عسكرا ، فلما سمع أبو قرة بمسير عمر بن حفص سار هو إلى طبنة فحاصرها ، فخرج إليه من بها من العساكر وقاتلوه ، فانهزم منهم وقتل من عسكره خلق كثير ، وأما أبو حاتم لما حاصر القيروان كثر جمعه ولازم حصارها ، وليس في بيت مالها دينار ولا في أهرائها شيء من الطعام ، فدام الحصار ثمانية أشهر ، وكان الجند يخرجون فيقاتلون الخوارج طرفي النهار ، حتى جهدهم الجوع وأكلوا دوابهم وكلابهم ولحق كثير من أهلها بالبربر ولم يبق غير دخول الخوارج إليها ، فأتاهم الخبر بوصول عمر بن حفص من طبنة فنزل الهريش وهو في سبعمائة فارس ، فزحف الخوارج إليه بأجمعهم وتركوا القيروان ، فلما فارقوها سار عمر إلى تونس فتبعه البربر فعاد إلى القيروان مجدا ، وأدخل إليها ما يحتاج من طعام ودواب وحطب - وغير ذلك - ووصل أبو حاتم والبربر إليه فحاصروه ، فطال الحصار حتى أكلوا دوابهم ، وفي كل يوم يكون بينهم قتال وحرب ، فلما ضاق الأمر بعمر وبمن معه قال لهم : الرأي أن أخرج من الحصار وأغير على بلاد البربر وأحمل إليكم الميرة ، قالوا : إنا نخاف بعدك ، قال : فأرسل فلانا وفلانا يفعلان ذلك ، فأجابوه فلما قال للرجلين قالا : لا نتركك في الحصار ونسير عنك فعزم على إلقاء نفسه إلى الموت ، فأتى الخبر أن المنصور قد سير إليه يزيد بن حاتم بن قتيبة بن المهلب في ستين ألف مقاتل ، وأشار عليه من عنده بالتوقف عن القتال إلى أن يصل العسكر فلم يفعل ، وخرج وقاتل فقتل منتصف ذي الحجة سنة أربع وخمسين ومائة وقام بأمر الناس حميد بن صخر وهو أخو عمر لأمه ، فوادع أبا